ابن حمدون
11
التذكرة الحمدونية
أعلمه أنّ الفرزدق أشرف منه وأشعر ، قلنا له : ويحك ، لا تعرض له فانصرف . وخرج جرير ، فلم يك بأسرع من أن أقبل الأحوص ، فوقف عليه فقال : السلام عليك ، فقال جرير : وعليك السلام ، فقال : يا ابن الخطفى ، الفرزدق أشرف منك وأشعر ، قال جرير : من هذا أخزاه اللَّه ! قلنا : الأحوص بن محمد بن عبد اللَّه ابن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، فقال : نعم ، هذا الخبيث ابن الطيّب ، أنت القائل : [ من الطويل ] يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها وأحسن شيء ما به العين قرّت فقال : نعم ، قال : فإنّه يقرّ بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر ، أفيقرّ ذاك بعينك ؟ وكان الأحوص يرمى بالحلاق ، فانصرف فبعث إليه بتمر وفاكهة . وأقبلنا على جرير نسأله وأشعب عند الباب وجرير في مؤخّر البيت ، فألحّ عليه أشعب يسأله ، فقال : واللَّه إني لأراك أقبحهم وجها ، وأراك ألأمهم حسبا ، قد أبرمتني منذ اليوم ، فقال : إني واللَّه أنفعهم وخيرهم لك ، فاتبه جرير وقال : ويحك ، وكيف ذاك ؟ قال : إني أملَّح شعرك وأجيد مقاطعه ومبادئه ، قال : قل ، ويحك ! فاندفع أشعب فتغنّى بلحن لابن سريج في شعره : [ من الكامل ] يا أخت ناجية السلام عليكم قبل الرحيل وقبل لوم العذّل لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم يوم الرحيل فعلت ما لم يفعل فطرب جرير وجعل يزحف حتى مسّت ركبته ركبته ، وقال : لعمري لقد صدقت ، إنّك لأنفعهم لي ، وقد حسّنته [ وأجدته ] وزيّنته ، أحسنت واللَّه ! ووصله وكساه . فلما رأينا إعجاب جرير بذلك الصوت قال له بعض أهل المجلس : فكيف لو سمعت واضع هذا الغناء ؟ قال : وإنّ له لواضعا غير هذا ؟ قلنا : نعم ، قال : وأين هو ؟ قلنا : بمكَّة ، قال : فلست بمفارق حجازكم حتى أبلغه . فمضى ومضى معه جماعة ممّن يرغب في طلب الشّعر في صحابته وكنت فيهم . فقدمنا مكَّة فأتيناه بأجمعنا فإذا هو في فتية من قريش كأنّهم المها مع ظرف كثير ،